الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
114
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وتحقق طلبهم ببعثة نبي منهم ، تبين أنهم من نفس تلك الطينة ، حيث أشار القرآن إلى ذلك بعد تلك الجملة الأولى من الآية بالقول : فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا . هذا التعبير يدلل على أنهم كانوا قبل بعثة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - وعلى خلاف ما يدعون - بعيدين عن دين الله سبحانه وتعالى ، فقد كانت حنيفية إبراهيم معروفة بينهم ، إلا أنهم لم يكونوا يحترمونها ، كذلك لم يكن لديهم أي اعتبار لما كان يمليه العقل من تصرفات . وبقيام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ونيله من عقائدهم وأعرافهم وعصبيتهم الجاهلية ، ووقوع مصالحهم غير المشروعة في الخطر ، زادت الفاصلة بينهم وبين الحق ، نعم كانوا بعيدين عن الحق ، لكنهم ازدادوا بعدا عن الحق بعد بعثة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . الآية التالية توضيح لما في الآية السابقة ، تقول : إن بعدهم عن الحق لأنهم سلكوا طريق الاستكبار في الأرض ، ولم تكن لديهم أهلية الخضوع لمنطق الحق استكبارا في الأرض ( 1 ) وكذلك لأنهم كانوا يحتالون ويسيئون ومكر السيئ ( 2 ) . ولكن ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله . جملة " لا يحيق " : الفعل ( يحيق ) من ( حاق ) بمعنى نزل وأصاب ، والجملة معناها " لا ينزل ولا يصيب ولا يحيط " إشارة إلى أن الاحتيال قد يؤدي - مؤقتا - إلى الإحاطة بالآخرين ، ولكنه في النهاية يعود على صاحبه ، فهو مفضوح وضعيف
--> 1 - أغلب المفسرين قالوا بأن " استكبارا " هو " مفعول لأجله " من حيث التركيب النحوي وهي بيان لعلة " النفور " وابتعادهم عن الحق ، و " مكر السئ " عطف على " استكبارا " في حين أن البعض الآخر قال : إنها عطف على " نفورا " . 2 - " مكر السيئ " إضافة ( للجنس ) إلى ( النوع ) ، كما هو نقول : " علم الفقه " لأن ( مكر ) بمعنى ( البحث عن حل ) سواء كان خيرا أو شرا ، لذا فإن هذه الكلمة تطلق كصفة لله سبحانه ومكروا ومكر الله آل عمران - 54 ، ولكن " السئ " تحصر المكر في نوع خاص منه ، وهو الاحتيال .